أرى أشياء تتغير في المشهد السياسي للمنطقة قد تظهر العلاقات بينها بعد فترة ليست ببعيدة. أول هذه الأمور هذا الزخم الذي اكتسبته عملية ترميم العلاقات العربية بعد قطيعة ذات البين، وإن على مستوى المجاملات فحتى هذه كانت قد انقطعت للأسف الشديد.
أنا هنا أقصد فتح قنوات الحديث الرسمية بين كل من دمشق والرياض، ولست أعلم إن كان من قبيل المصادفة المحضة تزامن زيارة شخصية سعودية أمنية سياسية كبيرة هي رئيس الاستخبارات السعودي مقرن بن عبد العزيز لدمشق حاملا رسالة خاصة من الملك السعودي نفسه إلى الرئيس الأسد و بين إعلان ملك السعودية الملك عبدالله تغييرا وزاريا واسعا و تبدلا استراتيجيا يكاد يطال بنية الدولة السعودية ذاتها بعد أن تمت إقالة كثير من المسؤولين اللذين يعدون من رموز عهد الملك فهد، والأمر الأخطر هو توسيع هيئة كبار العلماء لتضم علماء من مذاهب سنية أخرى غير الوهابية التي تسيطر على المؤسسة الدينية هناك منذ إنشاء الدولة السعودية الأولى قبل أكثر من 250 عام مضت إثر تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب و الأمير محمد بن سعود عام 1745 ميلادي.
الأمر ليس خطوة صغيرة لا معنى كبير لها كما يظن البعض، فتغييرات كهذه تعني بداية مرحلة ونهاية أخرى، بل إن التغيير المشار إليه أخيرا يؤشر على تحول في بنية الدولة ذاتها وإذا ما أضفنا إليه عنصر تزامن هذا التحول مع انفتاح ظاهر على عاصمة مهمة كدمشق لها تحالفات استراتيجية لا تطمئن لها السعودية، ينتج لدينا ما نستطيع أن نطلق عليه واقعا سعوديا جديدا، فالأمر القادم هو نتاج يهيأ له بهذه الخطوات المستجدة و قد تكون التغييرات السعودية المقبلة شيئا لا يمكن الحديث عنه الآن بشكل قاطع ولكنها بمثابة الاستحقاق الزمني على دولة لا زال أبناء مؤسس دولتها الحديثة يتوارثون فيها الحكم دونما ترتيب مكتوب .
هناك أيضا مسألة تلاشي صورة الدور المصري وانخراط الإدارة المصرية في محاولات محمومة لانقاذ ما يمكن إنقاذه من صورة الدور المصري، والحديث هنا ليس عن الدور بل عن صورته، فالدور المصري تم تقاسمه منذ صعود القوى الإقليمية الأخرى كتركيا والسعودية وإيران وسوريا، بل وحتى قطر. لقد بلغت الأمور حدا لا يحتمل من السوء فما فعله ثلاثي أولمرت - تسيفني - باراك من إهانة صورة مصر كوسيط عبر ما سماه مسؤول التفاوض الاسرائيلي عاموس جلعاد حد "الإذلال" المتعمد هو أمر محسوب. ربما تكون هذه نهاية صورة مصر كما كنا نعرفها، و هو أمر خطير سيخل بالتوازن الإقليمي فرغم تقاسم الدور المصري من قبل القوى المنافسة إلا أن صورة وهيبة مصر كانت لا تزال رصيدا لا يمكن التفريط فيه لأسباب حضارية وثقافية قبل أن تكون سياسية. لاشك أن الأيام القادمة ستكشف لنا ما يربط هذه التغيرات المتسارعة التي يبدو أنها انطلقت من عقال إثر فوز باراك أوباما و انتهاء الحرب الاسرائيلية على غزة بلا نصر حاسم على مقاومة فقيرة إلا من عمقها البشري.

No comments:
Post a Comment