26.1.09

أنت تكون في الوسط: إنه الجحيم بعينه



عندما كنت صغيراً جداُ كان واضحاٌ لي أنني في وضع مقلق، و أن موقعي مهدد دائماُ بالتدهور إلى حالات أشد إقلاقا. كان لدي إحساس بأنني دائماُ في الوسط، فقد كنت ثامن أطفال أبي الذي أنجب 16 طفلاُ. لم يكن الأمر سهلاُ في تلك الأيام الأولى، فأن تكون في الوسط يعني أنك لست الابن الأكبر الذي ينال الفرحة الأولى، وهذه لا تنتهي أبداُ، فهي تبقى مع الأبوين إلى الأبد. وبالمثل يعني كونك الابن الأوسط أنك وبصورة منطقية لست آخر العنقود وهذا ينال دلالاً مضاعفاُ.

في الحقيقة، ليست لدي أوهام بشأن هذا الأمر، كما ليست لدي حساسية منه، فقد كنت مدللاُ في صغري ليس من قبل والديّ فحسب بل من قبل الأسرة الكبيرة التي كانت تقطن البيت الكبير. لكن، أن تكون مدللاُ شيء وأن تكون في الوسط شيء آخر، فللأول حدود وللثاني تحديات. أن تكون في الوسط يعني أن تكون متهماٌ دائماٌ من قبل الإخوة الكبار بأنك متمرد، وأن ينظر إليك الصغار بشيء من الارتباك والشك بوصفك لست كبيراُ بما فيه الكفاية ليهابوك، ولا صغيراٌ بما فيه الكفاية ليلعبوا معك. وهكذا تضطر أحياناٌ إلى اللعب على ميزان القوى، أن تكون كبيراٌ مع الكبار وصغيرا مع الصغار. لكن ذلك ليس سهلا أبداُ ! تصور حجم المعارضة من الكبار معاٌ والصغار لمثل هذه المقولة.

مع الكبار كان يجب علي أن أبرز استقلاليتي، وهذا أمر خطير فهو يمثل تلميحاٌ سافراٌ بعدم أهمية فارق السن أو الحجم في تحديد التراتبية المحلية، وأن الجدارة لا تعتمد على السن كقيمة محددة، وقد أدى هذا لنعتي بأوصاف مثل طويل اللسان و متمرد و أحمق كان هدفها قمع تطلعاتي التي اعتبرت تهديداُ لا يحتمل. حسناٌ يمكنني القول أن محاولاتي المستمرة في التعبير عن استقلاليتي نجحت آخر الأمر في أن تكسبني الاعتراف المستحق ولكن ذلك كان نتاج تضحيات كبيرة.

غير أنني أدرك الآن أنني لا زلت في الوسط، فأنا لا أزال الابن الأوسط، في أواسط العمر، وأنا أقطن ما يسميه العالم اليوم الشرق الأوسط. لا يزال الأمر صعباٌ اليوم وأنا في الشرق الأوسط. كم أكره هذا المصطلح! إنه يعني ببساطة أنك لا شيء، بلا اسم ولا هوية ولا مؤهلات، كل ما هنالك أنك في الوسط، و هذا لا يؤهلك لأن تكون أي شيء! إنه تعبير اخترعه ساسة أوروبا وأمريكا ليقولوا لنا أنتم لا شيء، صودف فقط أنكم إلى جهة تقع بيننا وبين آسيا. في الماضي كان الإغريق ومن بعدهم الرومان يسموننا أرابيا، كنا عربا في نظرهم، ومن بعد ذلك صارت أوروبا تسمينا العالم الإسلامي، كنا مسلمين في نظرهم، أما الآن فنحن الشرق الأوسط.
ما أصعب أن تكون في الوسط، إنه الجحيم بعينه.

2 comments:

  1. Foarte interesant ce ai postat.M-am uitat pe blogul tau si imi place ce am vazut chiar e frumos si interesant.Felicitari si sigur am sa mai revin!

    ReplyDelete
  2. Thanks, appreciate your support for this blog.
    I have only one question: can you read Arabic?
    Oh, I have another one: do you have a similar experience that you would like to share?

    ReplyDelete