قبل أيام اختتمت القمة العربية في الدوحة أعمالها مختصرة إياها ليوم واحد على غير العادة. يبدو أن المضيفين القطريين فضلوا النجاة بنصاب قيل أنه غير مسبوق على انفراط وشيك فيما لو طالت المناقشات والمناكفات أكثر مما يجب. وعلى رغم ذلك لم يفوت القذافي فرصة خطف الميكروفون والأضواء معا بعد أن اضاف إلى قائمة ألقابه ملك ملوك أفريقيا و عميد الحكام العرب وإمام المسلمين.
يحلو للبعض التندر بأن ما يحدث في القمم العربية من تصعيد كلامي مكشوف بين القادة العرب ليس إلا الشفافية التي دأب الكثيرون على المطالبة بها بعد أن كانت الصراعات والمصالحات تجري في الغرف المغلقة، إلا أن الأمر في حقيقته لا يعدو التنفيس عن الذوات ومراداتها، فالقذافي سمى خلافه مع الملك عبدالله شخصيا، ولنا أن نصدق الرجل حين يقر بذلك.
الكلمة السحرية التي أنقذت الموقف كانت كلمة المصالحة، فلم يكد القذافي ينطقها حتى تنفس القوم الصعداء ودوت قاعة القمة بالتصفيق. يبدو أن القادة العرب صاروا يحبون هذه الكلمة، فهناك المصالحة بين سوريا والسعودية وهناك المصالحة الفلسطينية وقبلهما اللبنانية والعراقية، وها أصبح لدينا الآن مصالحة ليبية سعودية. وبما أنها الموضة السائدة عربيا اليوم فلنا أن نستبشر خيرا،ربما.
على صعيد آخر، نكاد لا نلحظ تغيرا كبيرا في لهجة الأطراف العربية المتقابلة مما اصطلح على تسميته بمحور الممانعة ومحور الاعتدال ومن بينهما من عرب الوسط. من الواضح إذن أن المصالحة العربية لم تؤت أكلها بعد. وفي البيان الختامي ظهر واضحا أن الأطراف توصلت لتسويات لا تتماشى مع منطلقات أي منها فضلا عن الواقع على الأرض.
صحيح أن قطر أعلنت توبتها عن دعوة الرئيس الإيراني للقمة، ولكن قضية النووي الإيراني أشير إليها بخجل كبير عبر عبارة عامة تدعو لجعل منطقتنا - يسميها البيان منطقة الشرق الأوسط - منطققة خالية من أسلحة الدمار الشامل بما فيها النووية في حين ان إيران لا تملك مثل هذا السلاح و هي تنفي على المستوى الرسمي أية نية في امتلاكه. في المقابل يطالب البيان المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل التوقيع على معاهدة منع انتشار السلاح النووي في حين يعلم الجميع حقيقة امتلاكها هذا السلاح.
يمكننا كذلك قياس الأمر بحذافيره على قضية السودان ومذكرة القبض على رئيسه، ففي حين منع الإنقسام الدولي مجلس الأمن من اتخاذ تدابير عقابية إضافية ردا على طرد السودان منظمات الإغاثة الدولية من أراضيه اكتفى البيان الختامي برفض المذكرة وتوقف عن المطالبة بسحبها. للمرء أن يتسائل لم لم ينتقل العرب إلى موقف متقدم من هذه المسألة وهم كانوا أجمعوا في البيان ذاته على أن هذه المذكرة تمثل تهديدا لأمن ووحدة أراضي دولة عضو في الجامعة.
لا أظنني محتاجا لقول أي شيء حول الوضع الفلسطيني فالقمم العربية تمارس عجزا مزمنا تجاه هذه القضية. كيف لا و القمم العربية تقام فيجتمع الزعماء العرب ليخرجوا بيانا إنشائيا عن الحاجة لبناء منظومة العمل العربي المشترك. بعد كل هذه السنين من إنشاء الجامعة ومن القمم العربية لا نزال نتحدث عن الحاجة!